من قلبِ الإسكندرية، حيثُ تتلاطمُ أمواجُ المتوسطِ مع طموحٍ لا يسكُن، انطلقت صرخةُ ميلادٍ جديدةٍ لم تُكتب في سجلاتِ الأحوالِ المدنية، بل في سجلاتِ المجدِ القومي. ففي محطةِ بحوث "المكس" التطبيقية، نجح المعهد القومي لعلوم البحار والمصايد في فكِّ شفرةِ "البوري" العصية، مُعلنًا نجاحَ تفريخهِ صناعيًا على نطاقٍ إنتاجيٍّ ضخم، في وثبةٍ علميةٍ تُعيدُ صياغةَ خارطةِ الأمنِ الغذائي المصري بمدادٍ من نورِ الثقةِ وجلالِ الإنجاز تجسدت فى مشروع التحفيز الاصطناعي لتفريخ أسماك العائلة البورية : إنتاج الزريعة في ظل التغيرات المناخية.

لقد ظلَّ تكاثرُ البوري لغزاً مكنوناً، وسراً من أسرارِ البحرِ الدفينة، يأبى الاستكانةَ في أحواضِ البشر؛ لكنَّ عبقريةَ الباحثِ المصري - لم يرضَ بغيرِ السيادةِ بديلاً- حيث استطاعت الاستاذ الدكتورة / رانيا فهمي خضر الباحث الرئيس للمشروع و الباحث المناوب ا.د / نفين شبانة و الفريق البحثي ترويضَ هذا العنادِ الفطري.

فبين جدرانِ المعامل، تحولَ المستحيلُ إلى حقيقةٍ تسبحُ أمامَ الأعين، لتُنهي عقوداً من الارتهانِ لزريعةِ البحارِ المفتوحة، وتفتتحَ عهداً من "الاستقلالِ المائي" المرتكزِ على صخرةِ البحثِ العلميِّ الرصين.

الأستاذ الدكتور/ عبير منير، رئيس المعهد القومي لعلوم البحار والمصايد:
"إنَّ نجاحَ تفريخِ 'البوري' صناعياً ليس مجردَ طفرةٍ تقنية، بل هو وثيقةُ تفوقٍ للعقل المصري، ورسالةٌ بأنَّ العلمَ في جمهوريتنا الجديدة هو السلاحُ الأوحد لصياغةِ غدٍ لا يعرفُ المستحيل."
الأستاذ الدكتور/ علا عبد الوهاب، مدير فرع المعهد للبحر المتوسط:
"في لحظةِ خروجِ اليرقاتِ الأولى، شعرنا بأننا نلمسُ روحَ المستقبل؛ حيثُ استمالَ العقلُ المصريُّ نبضَ الحياةِ من جفافِ المعادلات، ليضعَ حجرَ الزاويةِ لاكتفاءٍ ذاتيٍّ يضخُّ آلافَ الأطنانِ في شريانِ الوطن."

"وعبرَ هندسةٍ بيولوجيةٍ طوعتِ الهرموناتِ وغذتِ المستحيل، بلغت نسبةُ الإعاشةِ 25%؛ رقمٌ قياسيٌّ عبرت به المفرخاتُ المصريةُ إلى صدارةِ المشهدِ العالمي، قاهرةً عواصفَ المناخِ بصلابةِ العلم."
الأستاذ الدكتور/ هبة سعد السيد، رئيس شعبة تربية الأحياء المائية:
"نحنُ الآن نمتلكُ 'صكَّ الملكيةِ' لتكنولوجيا تفريخِ البوري. هذا الإنجاز سيوفر حمايةً قصوى للمخزوناتِ الطبيعيةِ من الصيدِ الجائر، ويفتحُ آفاقاً اقتصاديةً لا حدودَ لها. البوري المصري اليوم هو سفيرنا نحو استثمارٍ سمكيٍّ مستدام، يعززُ دخلَ الفردِ ويدعمُ هيبةَ الدولةِ الإنتاجية."

🎯 البوري.. الملحمة الاقتصادية الكبرى

تخطت نتائجُ هذه التجربةِ حدودَ الأوراقِ البحثيةِ لتلامسَ واقعَ السوقِ القومي؛ فالبوري ليس مجردَ غذاء، بل هو "ذهبٌ قشري" يمتلكُ مقوماتِ التصديرِ والمنافسةِ العالمية. إنه استثمارٌ في الاستدامة، وتجسيدٌ لرؤيةِ مصر 2030 في تطويعِ العلمِ لخدمةِ رغيفِ الخبزِ ورفاهيةِ المواطن.

إنَّ هذا المجدَ سُطِرَ بأناملِ فريقٍ لم يعرف النوم، بقيادة أ.د. رانيا فهمي خضر والباحث المناوب ا.د . نفين شبانة وفريق من فرسان العلم الدكتورة ريهام قدري والدكتور خالد عبد الجواد فاضل و الدكتورة ولاء أحمد شوقي تحت مظلة قيادات احد اعرق صوامع العلم فى الشرق و إفريقيا ليقدموا للعالم نموذجاً في العملِ الجماعيِّ المتناغم.

وفى الختام يجب ان ننوه بان هناك قنصوة .. راعي مسيرةِ التنوير:
فخلف كلِّ عظيمٍ قائدٌ يُؤمنُ به، والدكتور عبد العزيز قنصوه هو ذاك الرمزُ الذي كان من أولويات اهتمامه ان يكون البحثِ العلمي في مصر ميداناً للفروسيةِ والتميز. فبفضلِ رؤيتهِ الثاقبة، تحولت قاعاتُ العلمِ إلى جبهاتِ قتالٍ ضدَّ الجهلِ والاحتياج، لتُثمرَ اليومَ هذه "المعجزةُ المائية" التي تؤكدُ أنَّ الرهانَ على العقلِ المصري هو الرهانُ الرابحُ دوماً في سباقِ الحضارة.

فبينما يكتبُ التاريخُ فصوله، تضعُ مصرُ اليومَ نقطةً في نهايةِ سطرِ العوز، وتبدأُ سطراً جديداً عنوانهُ "الاكتفاءُ والكرامة". إنَّ هذه اليرقاتِ الصغيرة التي تتراقصُ في مياهِ المكس هي "جيشٌ أبيض" جديد يحمي أمننا الغذائي، ويُثبتُ للعالمِ أجمع أنَّ النيلَ الذي وهبنا الحياة، والبحارَ التي طوقتنا بالجمال، قد وجدت أخيراً من يستحقُ كنوزها.. إنها مصرُ المبتكرة، مصرُ القوية، مصرُ التي تصنعُ من زبدِ البحرِ فخراً، ومن ضياءِ العلمِ مستقبلاً لا تغيبُ عنه الشمس.

#مصر_تستطيع #المعهد_القومي_لعلوم_البحار #الأمن_الغذائي_المصري #معجزة_المكس #الجمهورية_الجديدة #البحث_العلمي #الثروة_السمكية #توطين_الصناعة #رؤية_2030