من أمام "المتحف اليوناني الروماني" بشارع فؤاد، حيث يتنفس الحجر تاريخاً، وصولاً إلى مكتبة الإسكندرية، انطلق اليوم الموكب الاحتفالي لتدشين "يوم الإسكندرية" تحت شعار "الإسكندرية: مولد مدينة عالمية"، ليعلن للعالم أن هذه المدينة ليست مجرد إحداثيات على الخارطة، بل هي حالة من العشق تستيقظ في أجساد أبنائها فجأة فتدفعهم إليها دفعاً.
إنه طبع الإسكندرية الأزلي؛ تلك التي توقظ في قلوب قاصديها رغبة عارمة في ترك كل شيء والارتماء في قلبها، تماماً كما فعل "الإسكندر الأكبر" الذي طاف الأرض شرقاً وغرباً ولم يجد مستقراً لروحه إلا هنا، وكما سُحرت بها الملكة "كليوباترا" والقائد الروماني "مارك أنطونيو" فجعلاها مسرحاً لأعظم قصص الحب والسلطة في التاريخ، وكما هام بها "بيرم التونسي" عشقاً فترك لأجلها الأوطان.
إن تاريخ الإسكندرية يضرب بجذوره العميقة في أراضٍ كاليونان وإيطاليا ومقدونيا، وهي الحقيقة التي تؤكد أن مصر هي "أم الدنيا" التي تحتضن الجميع وتربط بين الشعوب بدم واحد وحضارة مشتركة. تذاكر الحضارة هنا كانت عن طريق الحب لا عن طريق الحروب، لتصبح الإسكندرية الابن الشرعي الوحيد للحضارة الفرعونيه والغربية.
واليوم، يتكرر المشهد التاريخي بصبغة معاصرة؛ ففي لحظة مهيبة تجلى فيها "ابن الحضارة" الكامن خلف المنصب، خلع الدكتور عبد العزيز قنصوة ثوب الرسميات ليرتدي "عباءة الحضارة السكندرية" الفاخرة؛ ملبياً نداء جيناته التي استيقظت أمام عظمة الحدث.
وقف "قنصوة" في مقدمة الصفوف بجانب المهندس أيمن عطية محافظ الإسكندرية، واللواء بحري ا.ح جورج شوقي قائد الأسطول الشمالي، والدكتور أحمد زايد مدير مكتبة الإسكندرية، لا كمسؤول فحسب، بل كابنٍ بار نادته "نداهة البحر" التي أسرت قادة التاريخ.
وقد تضمن الموكب مشاركة أطفال وشباب مصريين ويونانيين يرتدون الأزياء التقليدية، وقدمت القوات البحرية المصرية عروضاً متميزة على كورنيش الإسكندرية، مما جسد تاريخ المدينة عبر العصور في تناغم فريد.
هذا التدشين هو تجديد لعهد الوفاء من رجال تدرجوا في خدمتها، فظلوا أوفياء لترابها. هي الإسكندرية، تفتح ذراعيها اليوم من جديد لتقول للعالم: "هنا كان الماضي، وهنا يُصنع الحاضر بقلوب من يعشقونني".